السيد عباس علي الموسوي
13
شرح نهج البلاغة
الأول : شغلكم التكاثر بالأحياء حتى إذا استوعبتم ذلك صرتم إلى المقابر فتكاثرتم بالأموات وعبّر عن بلوغهم ذكر الموتى بزيارة المقابر تهكما بهم . وقيل كانوا يزورون المقابر فيقولون هذا قبر فلان وهذا قبر فلان عند تفاخرهم والمعنى : ألهاكم ذلك وهو مما لا يعنيكم ولا يجدي عليكم في دنياكم وآخرتكم عما يغنيكم من أمر الدين الذي هو أهم وأعنى من كل مهم . الثاني : ألهاكم التكاثر بالأموال والأولاد إلى أن متم وقبرتم منفقين أعماركم في طلب الدنيا والاستباق إليها والتهالك عليها إلى أن أتاكم الموت . ( يا له مراما ما أبعده وزورا ما أغفله وخطرا ما أفظعه ) هذا الكلام من الإمام موعظة بالغة ونصيحة غالية من أجل إيقاظ الناس وردهم إلى اللّه وأن التفاخر يجب أن يكون بصالح الأعمال والخيرات لا بالأموات . . . تعجب الإمام من ضعف العقول وسخفها التي قادت هؤلاء القوم إلى أن يتفاخروا ولو بالأموات وقال : إن ذلك المرام بعيد جدا فإن هؤلاء الموتى أحق بأن يكونوا عبرة وعظة من أن يكونوا فخرا وشرفا . كما قال : إن هؤلاء الزوار للقبور ما أشد غفلتهم حيث غفلوا عن الموعظة بالأموات وأنهم سوف يصيرون مثلهم إلى أن اتخذوهم وسيلة للمفاخرة والشرف . ثم أشار إلى الموت وأنه أمر مهول مرعب قد تجاوز الحد في الخوف لأنه يحمل معه السكرات وشدائد الموت وعقبات الحساب والعقاب وبلوغ النار وما فيها من فزع وخوف وعذاب لا يطيقه ابن أنثى . . . ( لقد استخلوا منهم أي مدكر وتناوشوهم من مكان بعيد ) أي وجدوا ديارهم خالية من أي مذكر لهم من الأسلاف والأجداد لأنهم أضحوا تحت التراب فقبورهم عبرة وفيها عظة . . . ثم أشار إلى سفههم وأنهم قد تناولوا الأموات وافتخروا بهم مع بعد ما بينهم وبينهم حيث إن أولئك في عالم الآخرة وهؤلاء في عالم الدنيا وأولئك أموات وهؤلاء أحياء والعاقل لا يفتخر بميت قد أكله التراب بل يفتخر بالمناقب والمكارم ومحاسن الصفات وجميل الأفعال . . . ( أفبمصارع آبائهم يفخرون أم بعديد الهلكى يتكاثرون يرتجعون منهم أجسادا خوت وحركات سكنت ) بيّن عليه السلام أنه لا يحق لهم الافتخار بمصارع آبائهم أو التكاثر